وطنية

الرزق الحلال… “مول پولو” ودرس في الكرامة


بقلم: سعيد بن الشريف

بين تضاريس الطريق الرابطة بين وزان والعرائش، حيث تختلط الطبيعة بجراح الزمن، وقفت أمام مشهد إنساني أبكاني قبل أن يدهشني. رجل طاعن في السن، على دراجة هوائية متهالكة، في مؤخرة مقعدها علبة صغيرة مملوءة بقطع ثلج ملونة… “بولو”، تلك المثلجات التي طالما أبهجت قلوب الأطفال في صيفياتنا البسيطة.

لم يكن هذا العجوز يملك شيئا سوى عزيمته ورجليه المتعبتين. يقطع الكيلومترات على الإسفلت الحارق، تحت شمس لا ترحم، فقط ليبيع بضع قطع من الجليد للأطفال. لا يملك سيارة ولا محلا ولا غطاء اجتماعيا، لا تغطية صحية ولا تقاعد، ومع ذلك، لم يتسول، لم يسرق، لم يتوسل. فقط اختار طريق الرزق الحلال.

ما أثار في نفسي الإعجاب والمرارة في آن معا، هو أن هذا الرجل لا يبيع فقط “بولو”، بل يوزع الفرحة. أحيانا، كما علمت لاحقا، يعطي بعض الأطفال “بولو” دون مقابل، فقط لأنهم حفاة أو حفنتهم فارغة. يتصدق من قلبه، لا من فائض ماله. هذا هو جوهر الكرامة، الكرامة التي تجدها عند البسطاء، عند من لا يملكون شيئا، إلا وجها مرفوعا لله.

في مقابل هذا المشهد، لا يسعني إلا أن أقارن بين هذا العجوز الشريف، وبين أصحاب المناصب العليا الذين لا يشبعون، ممن يملكون الملايير ولا يزالون يلهثون خلف كل ما هو حرام. أولئك الذين امتصوا دم الوطن، خلسة وبجشع، بينما “مول بولو” يتصبب عرقا ليكسب دراهم معدودة بكرامة وشرف.

شتان بين من يركب سيارة فارهة ويأكل من حرام، وبين من يركب دراجة صدئة ويطعم أبناء الناس بعرق جبينه.

نعم، الكرامة ليست في الجاه ولا المال، بل في نظافة اليد، في بسمة طفل اشتراه بولو بدرهم، وفي رجل يبيع الفرح بدلا من أن يسرق الألم.

في هذا الزمن الذي اختلطت فيه المعايير، يبقى “مول بولو” رمزا للكرامة والنبل، وتبقى رسالته أبلغ من كل الخطب السياسية:
“العيش قليل… بالحلال، أشرف من حياة الترف… بالحرام.”

رحم الله من علمنا الدرس دون أن يتكلم، وبارك الله في من جعل من نفسه جسرا للفرح رغم وجعه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق