وطنية

الإدمان بين معاناة الأسر ومسؤولية المؤسسات

هشام الشكدالي

لم يعد الإدمان ظاهرة معزولة أو حالات فردية متفرقة، بل تحول إلى آفة اجتماعية حقيقية تنخر جسد المجتمع المغربي، والعرائش ليست استثناء من هذا الواقع المقلق. فالإدمان اليوم لم يعد يقتصر على التدخين أو المخدرات التقليدية، بل تطور مع تطور أساليب التعاطي وظهور مواد بديلة أكثر خطورة وأقل تكلفة، مثل “البوفا” و”الكحلة” وغيرها من السموم التي تستهدف فئة واسعة من الشباب.

وتكمن خطورة الإدمان في كونه لا يدمر صحة الفرد فحسب، بل يغير سلوكاته وشخصيته وعلاقاته الأسرية والاجتماعية. فالمدمن يعيش صراعاً دائماً بين شخصيته الطبيعية التي يعرفها محيطه، وشخصية أخرى تتحكم فيها الحاجة الملحة إلى الجرعة، حيث يصبح همه الأول والأخير هو توفير المال بأي وسيلة من أجل إشباع رغبة الإدمان التي تستنزف جسده وعقله.

وفي خضم هذه المعاناة، تجد الأسر نفسها أمام امتحان عسير؛ بين الرغبة في احتواء أبنائها أو أزواجها المدمنين، وبين العجز عن إيجاد حلول عملية تخرجهم من هذا النفق المظلم. كثير من العائلات تعيش يومياً مآسي صامتة بسبب الإدمان، في ظل الخوف من الوصم الاجتماعي أو غياب المرافقة النفسية والطبية اللازمة.

وأمام هذا الوضع، يبرز سؤال جوهري: أين دور المؤسسات والقطاعات المعنية في مواجهة هذه الآفة؟ وأين مراكز الاستقبال والعلاج والتأهيل النفسي والاجتماعي؟ فمحاربة الإدمان لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية وحدها، بل تتطلب تضافر جهود الأسرة والمدرسة والجمعيات والمؤسسات الصحية والاجتماعية والإعلامية، من أجل الوقاية أولاً، ثم العلاج وإعادة الإدماج.

إن الإدمان ليس عيباً أخلاقياً بقدر ما هو مرض وآفة اجتماعية تستوجب المواجهة الجماعية والمسؤولية المشتركة. فكل تأخر في معالجة هذه الظاهرة هو خسارة جديدة لشباب كان يمكن أن يكون قوة منتجة داخل المجتمع بدل أن يتحول إلى ضحية للضياع والتهميش.

ويبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من مرحلة الحديث عن الإدمان إلى مرحلة بناء سياسات فعالة للعلاج والوقاية، لأن حماية المجتمع تبدأ بحماية شبابه من السقوط في مستنقع الإدمان..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق