المدينةالعتيقة بالعرائش: جوهرة تاريخية تحتاج إلى العناية

محمد الدغيلي

تُعد المدينة العتيقة بالعرائش، الواقعة على الساحل الأطلسي شمال المغرب، واحدة من أهم المواقع التاريخية في المملكة، حيث تجمع بين التراث الثقافي الغني والتنوع الحضاري الذي شكّل هويتها عبر القرون. تتميز هذه المدينة بأزقتها الضيقة، وأسوارها القديمة، ومبانيها التي تحمل بصمات العصور الفينيقية، الرومانية، العربية، والأندلسية. مع اقتراب المغرب من استضافة كأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، تبرز أهمية المدينة العتيقة كوجهة سياحية تحتاج إلى تثمين وصيانة لتعكس جمالها وتاريخها. في هذا الموضوع، نستعرض تاريخ المدينة العتيقة، معالمها البارزة، التحديات التي تواجهها، وسبل إحيائها.
تاريخ المدينةالعتيقة
يعود تاريخ العرائش إلى العصور القديمة، حيث كانت تُعرف باسم “ليكسوس”، وهي مستعمرة فينيقية ثم رومانية ازدهرت كمركز تجاري هام على ضفاف نهر اللوكوس. شهدت المدينة تعاقب حضارات متعددة، من العرب بعد الفتح الإسلامي إلى البرتغاليين والإسبان في العصور الوسطى، مما جعلها نقطة التقاء ثقافي فريدة. في العصر الحديث، أصبحت المدينة العتيقة مركزًا للتراث الأندلسي، حيث استقر بها العديد من المهاجرين الأندلسيين بعد سقوط غرناطة، مما أضفى على مبانيها وتقاليدها طابعًا مميزًا.
أبرز معالم المدينة العتيقة
ساحة التحرير (بلاسا دي إسبانيا سابقًا):
تُعد قلب المدينة العتيقة، وهي محاطة بمبانٍ تاريخية مثل المسجد الجامع ومبنى الكوماندانسيا، وهو قصر سابق للحكام الإسبان تم ترميمه جزئيًا بمساهمة حكومة الأندلس.
تتميز الساحة بأجوائها الحيوية، حيث تجتمع العائلات والزوار للاستمتاع بالمقاهي التقليدية.
الأسوار والأبواب التاريخية:
تحيط الأسوار القديمة بالمدينة، وتضم أبوابًا تاريخية مثل باب البحر وباب الخميس، التي تُظهر مهارة العمارة الدفاعية في العصور الوسطى.
هذه الأسوار تعكس الدور الاستراتيجي للعرائش كمدينة ساحلية.
الكوماندانسيا:
مبنى تاريخي يعود إلى العهد الإسباني، يتميز بعمارته الأنيقة. على الرغم من ترميمه الجزئي، إلا أنه يحتاج إلى صيانة مستمرة للحفاظ على قيمته.
المسجد الجامع:
يقع في قلب المدينة العتيقة، ويُعد من أقدم المساجد في المنطقة، حيث يعكس الطراز الإسلامي التقليدي مع لمسات أندلسية.
الأزقة والمنازل التقليدية:
تتميز الأزقة الضيقة بالبيوت ذات الأبواب الخشبية والنوافذ المزخرفة، التي تحمل طابعًا أندلسيًا. هذه البيوت غالبًا ما تكون مملوكة لعائلات عرائشية قديمة، لكن بعضها مهدد بالانهيار بسبب الإهمال.
موقع ليكسوس الأثري:
على مشارف المدينة العتيقة، يقع موقع ليكسوس الأثري، وهو من أهم المواقع الأثرية في المغرب، حيث يضم بقايا معابد رومانية ومدرجًا قديمًا. الموقع مدرج ضمن قائمة اليونسكو المؤقتة للتراث العالمي.
التحديات التي تواجه المدينة العتيقة
تدهور البنية التحتية:
تعاني المدينة العتيقة من تدهور مبانيها بسبب قدمها ونقص الصيانة. العديد من المنازل التاريخية مهددة بالانهيار، خاصة مع تأثير الرطوبة الساحلية.
شبكات الصرف الصحي والمياه في الأزقة قديمة، مما يتسبب في تسربات وفيضانات جزئية خلال الأمطار.
الإهمال الإداري:
على الرغم من الجهود المبذولة، مثل الترميم الجزئي للكوماندانسيا، إلا أن هناك نقصًا في الخطط الشاملة لإعادة تأهيل المدينة بأكملها.
غياب التنسيق بين السلطات المحلية والمنظمات الدولية يحد من الاستفادة من التمويل المتاح.
ضعف الترويج السياحي:
لا تُروَّج المدينة العتيقة بشكل كافٍ كوجهة سياحية مقارنة بمدن مثل فاس أو مراكش، مما يقلل من تدفق الزوار.
نقص المرافق السياحية، مثل المرشدين المدربين واللوحات الإرشادية، يؤثر على تجربة الزوار.
التلوث البيئي:
تلوث شاطئ العرائش ونهر اللوكوس يؤثر سلبًا على جاذبية المدينة العتيقة، خاصة أن الشاطئ يُعد مكملًا طبيعيًا للزيارة.
فرص إحياء المدينة العتيقة
مع اقتراب استضافة المغرب لكأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، تبرز المدينة العتيقة كفرصة ذهبية لتعزيز السياحة الثقافية في العرائش. فيما يلي بعض الحلول المقترحة:
برامج ترميم شاملة:
إطلاق مشاريع ترميم للمنازل والمعالم التاريخية بالتعاون مع منظمات دولية مثل اليونسكو وحكومة الأندلس، مع التركيز على الحفاظ على الطابع الأصلي.
تشجيع السكان المحليين على ترميم منازلهم من خلال تقديم قروض ميسرة أو دعم مالي.
تعزيز البنية التحتية:
تحديث شبكات الصرف الصحي والمياه لمنع التسربات وحماية المباني من التلف.
رصف الأزقة بمواد تقليدية تحافظ على الطابع التاريخي مع تحسين إمكانية التنقل.
الترويج السياحي:
إدراج المدينة العتيقة ضمن الحملات السياحية الوطنية لاستقطاب زوار كأس إفريقيا وكأس العالم.
إنشاء مركز زوار يوفر معلومات عن تاريخ المدينة ومعالمها، مع تنظيم جولات سياحية بمساعدة مرشدين محليين.
الحفاظ على البيئة:
معالجة تلوث نهر اللوكوس والشاطئ من خلال تحسين محطات تصفية المياه والرقابة على النفايات الصناعية.
تنظيم حملات توعية للسكان والزوار لحماية البيئة المحيطة بالمدينة.
إشراك المجتمع المحلي:
تشجيع الحرفيين المحليين على عرض منتجاتهم في المدينة العتيقة، مثل الأعمال الخشبية والنسيجية، لتعزيز الاقتصاد المحلي.
تنظيم مهرجانات ثقافية سنوية تحتفي بالتراث الأندلسي والمغربي، مما يجذب السياح ويعزز الانتماء المحلي.
ملتمس
المدينة العتيقة بالعرائش ليست مجرد حي قديم، بل هي متحف حي يروي قصة الحضارات التي مرت بالمنطقة. مع اقتراب الأحداث الرياضية الكبرى التي سيستضيفها المغرب، تتيح المدينة فرصة فريدة لتسليط الضوء على تراث العرائش وتعزيز مكانتها كوجهة سياحية. ومع ذلك، يتطلب ذلك جهودًا مشتركة بين السلطات المحلية، المنظمات الدولية، والمجتمع المحلي لترميم معالمها، تحسين بنيتها التحتية، وتسويقها بفعالية. من خلال هذه الجهود، يمكن للمدينة العتيقة أن تتألق كجوهرة ثقافية في شمال المغرب، مما يسهم في تنمية المدينة وإشعاعها على المستوى الوطني والدولي.



